فصل: تفسير الآية رقم (171)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏166‏]‏

‏{‏لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏166‏)‏‏}‏

هذا استدراك على معنًى أثارهُ الكلام‏:‏ لأنّ ما تقدّم من قوله‏:‏ ‏{‏يسألك أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏ مسوق مساق بيان تعنّتهم ومكابرتهم عن أن يشهدوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحّة نسبة القرآن إلى الله تعالى، فكان هذا المعنى يستلزم أنَّهم يأبون من الشهادة بصدق الرسول، وأنّ ذلك يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء الاستدراك بقوله‏:‏ ‏{‏لكن الله يشهد‏}‏‏.‏ فإنّ الاستدراك تعقيب الكلام برفع ما يُتوهَّم ثبوتُه أو نفيُه‏.‏ والمعنى‏:‏ لم يشهد أهلُ الكتاب لكن الله شهد وشهادة الله خير من شهادتهم‏.‏

وقد مضى عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستشهدوا شهيدين من رجالكم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏282‏)‏، أنّ حقيقة الشهادة إخبار لتصديق مخبر، وتكذيب مخبر آخر‏.‏ وتقدّم أنّها تطلق على الخبر المحقّق الذي لا يتطرّقه الشكّ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏18‏)‏‏.‏ فالشهادة في قوله‏:‏ لكن الله يشهد‏}‏ أطلقت على الإخبار بنزول القرآن من الله إطلاقاً مجازياً، لأنّ هذا الخبر تضمّن تصديق الرسول وتكذيب معانديه، وهو إطلاق على وجه الاستعارة من الإطلاق الحقيقي هو غير الإطلاق الذي في قوله‏:‏ ‏{‏شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 18‏]‏ فإنّه على طريقة المجاز المرسل‏.‏ وعطف شهادة الملائكة على شهادة الله‏:‏ لزيادة تقرير هذه الشهادة بتعدّد الشهود، ولأنّ شهادة الله مجاز في العلم وشهادة الملائكة حقيقة‏.‏ وإظهار فعل ‏{‏يشهدون‏}‏ مع وجود حرف العطف للتّأكيد‏.‏ وحَرف ‏(‏لكنْ‏)‏ بسكون النون مخفّف لكنَّ المشدّدة النون التي هي من أخوات ‏(‏إنّ‏)‏ وإذا خفّفت بطل عملها‏.‏

وقَوله‏:‏ ‏{‏وكفى بالله شهيداً‏}‏ يَجري على الاحتمالين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بما أنزل إليك أنزله بعلمه‏}‏ وقع تحويل في تركيب الجملة لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل، ليكون أوقع في النفس‏.‏ وأصل الكلام‏:‏ يشهد بإنزال ما أنزله إليك بعلمه؛ لأنّ قوله‏:‏ ‏{‏بما أنزل إليك‏}‏ لم يُفد المشهود به إلاّ ضمناً مع المشهود فيه إذ جيء باسم الموصول ليوصل بصلة فيها إيماء إلى المقصود، ومع ذلك لم يذكر المقصود من الشهادة الذي هو حقّ مدخوللِ الباء بعد مادّة شهد، فتكون جملة ‏{‏أنزله بعلمه‏}‏ مكمّلة معنى الشهادة‏.‏ وهذا قريب من التحويل الذي يستعمله العرب في تمييز النسبة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ «موقع قوله‏:‏ ‏{‏أنزله بعلمه‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏لكن الله يشهد بما أنزل إليك‏}‏ موقع الجملة المفسّرة لأنّه بيان للشهادة وأنّ شهادته بصحّته أنّه أنزله بالنظم المعجز»‏.‏ فلعلّه يجعل جملة ‏{‏لكن الله يشهد بما أنزل إليك‏}‏ مستقلة بالفائدة، وأنّ معنى ‏{‏بما أنزل إليك‏}‏ بصحّة ما أنزل إليك، وما ذكرتُه أعرق في البلاغة‏.‏

ومعنى ‏{‏أنزله بعلمه‏}‏ أي متلبّساً بعلمه، أي بالغاً الغاية في باب الكتب السماوية، شأن ما يكون بعلم من الله تعالى، ومعنى ذلك أنّه معجز لفظاً ومعنى، فكما أعجز البلغاء من أهل اللّسان أعجز العلماءَ من أهل الحقائق العالية‏.‏

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏وكفَى بالله شهيداً‏}‏ زائدة للتَّأكيد، وأصله‏:‏ كفى الله شهيداً كقوله‏:‏

كفَى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً *** أو يضمّن ‏(‏كفى‏)‏ معنى اقتنِعوا، فتكون الباء للتعدية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏167‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏167‏)‏‏}‏

يجوز أن يكون المراد بالذين كفروا هنا أهل الكتاب، أي اليهود، فتكون الجملة بمنزلة الفذلكة للكلام السابق الرّادّ على اليهود من التحاور المتقدّم‏.‏ وصدُّهم عن سبيل الله يحتمل أن يكون من صَدّ القاصر الذي قياس مضارعه يصِدّ بكسر الصاد، أي أعرضوا عن سبيل الله‏.‏ أي الإسلام، أو هو من صَدّ المتعدي الذي قياس مضارعه بضمّ الصاد، أي صدّوا النّاس‏.‏ وحذف المفعول لقصد التكثير‏.‏ فقد كان اليهود يتعرّضون للمسلمين بالفتنة، ويقوون أوهام المشركين بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا المشركين، كما هو الغالب في إطلاق هذا الوصف في القرآن، فتكون الجملة استئنافاً ابتدائياً، انتقل إليه بمناسبة الخوض في مناواة أهل الكتاب للإسلام‏.‏ وصدّهم عن سبيل الله، أي صدّهم النّاس عن الدخول في الإسلام مشهور‏.‏

والضلال الكفر لأنّه ضياع عن الإيمان، الذي هو طريق الخير والسعادة، فإطلاق الضلال على الكفر استعارة مبنيَّة على استعارة الطريق المستقيم للإيمان‏.‏ ووصف الضلال بالبعيد مع أنّ البعد من صفات المسافات هو استعارة البعد لشدّة الضلال وكماله في نوعه، بحيث لا يدرك مقداره، وهو تشبيه شائع في كلامهم‏:‏ أن يشبّهوا بلوغ الكمال بما يدلّ على المسافات والنهايات كقولهم‏:‏ بَعيد الغور، وبعيد القعر، ولا نهاية له، ولا غاية له، ورجل بعيد الهمّة، وبعيد المرمَى، ولا منتهى لكبارها، وبحر لا ساحل له، وقولهم‏:‏ هذا إغراق في كذا‏.‏

ومن بديع مناسبته هنا أنّ الضلال الحقيقي يكون في الفيافي والموامِي، فإذا اشتدّ التيه والضلال بَعُدَ صاحبه عن المعمور، فكان في وصفه بالبعيد تعاهد للحقيقة، وإيماء إلى أنّ في إطلاقه على الكفر والجهل نقلاً عرفياً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏168- 169‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ‏(‏168‏)‏ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏169‏)‏‏}‏

الجملة بيان لجملة ‏{‏قد ضلّوا ضلالاً بعيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 167‏]‏، لأنّ السامع يترقّب معرفة جزاء هذا الضلال قبيّنته هذه الجملة‏.‏

وإعادة الموصول وصلته دون أن يذكر ضميرهم لتُبنَى عليه صلة ‏{‏وظلموا‏}‏، ولأنّ في تكرير الصّلة تنديداً عليهم‏.‏ ويجيء على الوجهين في المراد من الذين كفروا في الآية الّتي قبلها أن يكون عطْفُ الظلممِ على الكفر في قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا وظلموا‏}‏ إمَّا أن يراد به ظلم النّفس، وظلم النبي والمسلمين، وذلك اللائق بأهل الكتاب؛ وإمَّا أن يراد به الشرك، كما هو شائع في استْعمال القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏إنّ الشرك لظلم عظيم‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 13‏]‏، فيكون من عطف الأخصّ على الأعمّ في الأنواع؛ وإمّا أن يراد به التعدّي على النّاس، كظلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه من أرضه، وتأليب النّاس عليه، وغير ذلك، وظلمهم المؤمنين بتعذيبهم في الله، وإخراجهم، ومصادرتهم في أموالهم، ومعاملتهم بالنفاق والسخريّة والخداع؛ وإمّا أن يراد به ارتكاب المفاسد والجرائم ممّا استقرّ عند أهل العقول أنَّه ظلم وعدوان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لم يكن الله ليغفر لهم‏}‏ صيغة جحود، وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏79‏)‏، فهي تقتضي تحقيق النفي، وقد نفي عن الله أن يغفر لهم تحذيراً من البقاء على الكفر والظلم، لأنّ هذا الحكم نِيط بالوصف ولم يُنط بأشخاص معروفين، فإن هم أقلعوا عن الكفر والظلم لم يكونوا من الَّذين كفروا وظلموا‏.‏ ومعنى نفي أن يهديهم طريقاً‏:‏ إن كان طريقاً يومَ القيامة فهو واضح‏:‏ أي لا يهديهم طريقاً بوصلهم إلى مكان إلاّ طريقاً يوصل إلى جهنّم‏.‏ ويجوز أن يراد من الطريق الآيات في الدنيا، كقوله‏:‏ ‏{‏اهدنا الصراط المستقيم‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ فنفي هديهم إليه إنذار بأنّ الكفر والظلم من شأنهما أن يخيّما على القلب بغشاوة تمنعه من وصول الهدي إليه، ليحذر المتلبّس بالكفر والظلم من التوغّل فيهما، فلعلَّه أن يصبح ولا مخلّص له منهما‏.‏ ونفي هدى الله أيّاهم على هذا الوجه مجاز عقلي في نفي تيسير أسباب الهدى بحسب قانون حصول الأسباب وحصول آثارها بعدها‏.‏ وعلى أي الاحتمالين فتوبة الكافر الظالم بالإيمان مقبولة، وكثيراً ما آمن الكافرون الظالمون وحسن إيمانهم، وآيات قبول التّوبة، وكذلك مشاهدة الواقع، ممّا يهدي إلى تأويل هذه الآية، وتقدّم نظير هذه الآية قريباً، أي ‏{‏الذين آمنوا ثُمّ كفروا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 137‏]‏ الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إلا طريق جهنم‏}‏ استثناء متّصل إن كان الطريق الذي نفي هديهم إليه الطريقَ الحقيقي، ومنقطع إن أريد بالطريق الأوّل الهدى‏.‏ وفي هذا الاستثناء تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه‏:‏ لأنّ الكلام مسوق للإنذار، والاستثناء فيه رائحة إطماع، ثُمّ إذا سمع المستثنى تبيّن أنّه من قبيل الإنذار‏.‏ وفيه تهكّم لأنّه استثنى من الطريق المعمول ‏{‏لِيَهْدِيهم‏}‏، وليس الإقحام بهم في طريق جهنّم بهدي لأنّ الهدي هو إرشاد الضالّ إلى المكان المحبوب‏.‏

ولذلك عقّبه بقوله‏:‏ ‏{‏وكان ذلك‏}‏ أي الإقحام بهم في طريق النّار على الله يسيراً إذ لا يعجزه شيء، وإذ هم عبيده يصرفهم إلى حيث يشاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏170‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏170‏)‏‏}‏

بعد استفراغ الحِوار مع أهل الكتاب، ثُمّ خطاب أهل الكفر بما هو صالح لأن يكون شاملاً لأهل الكتاب، وجّه الخطاب إلى النّاس جميعاً‏:‏ ليكون تذييلاً وتأكيداً لما سبقه، إذ قد تهيَّأ من القوارع السالفة ما قامت به الحجَّة، واتّسعت المحَجَّة، فكان المقام للأمر باتّباع الرسول والإيمان‏.‏ وكذلك شأن الخطيب إذا تهيّأت الأسماع، ولانت الطباع‏.‏ ويسمَّى هذا بالمقصد من الخطاب، وما يتقدّمه بالمقدّمة‏.‏ على أنّ الخطاب بيأيُّها النّاس يعني خصوص المشركين في الغالب، وهو المناسب لقوله‏:‏ ‏{‏فآمنوا خيراً لكم‏}‏‏.‏

والتعريف في ‏{‏الرسول‏}‏ للعهد، وهو المعهود بين ظهرانيهم‏.‏ ‏(‏والحقّ‏)‏ هو الشريعة والقرآن، و‏{‏من ربّكم‏}‏ متعلّق ب ‏{‏جاءكم‏}‏، أو صفة للحقّ، و‏(‏من‏)‏ للابتداء المجازي فيهما، وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين ترغيب لهم في الإيمان لأنّ الذي يجيء مهتمّاً بناس يكون حقّاً عليهم أن يتّبعوه، وأيضاً في طريق الإضافة من قوله ‏{‏ربّكم‏}‏ ترغيب ثان لما تدلّ عليه من اختصاصهم بهذا الدّين الذي هو آت من ربّهم، فلذلك أتي بالأمر بالإيمان مفرّعاً على هاته الجمل بقوله‏:‏ ‏{‏فآمنوا خيراً لكم‏}‏‏.‏

وانتصب ‏{‏خيراً‏}‏ على تعلّقه بمحذوف لازم الحذف في كلامهم لكثرة الاستعمال، فجَرى مجرى الأمثال، وذلك فيما دلّ على الأمر والنهي من الكلام نحو ‏{‏انْتهوا خيراً لكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، ووراءك أوسعَ لك، أي تأخّر، وحسبك خيراً لك، وقول عمر بن أبي ربيعة‏:‏

فواعديه سَرْحَتَيْ مالِك *** أو الرّبى بينهما‏.‏ أسْهَلا

فنصبه ممّا لم يُخْتَلف فيه عن العرب، واتّفق عليه أيمّة النحو، وإنَّما اختلفوا في المحذوف‏:‏ فجعله الخليل وسيبويه فعلا أمراً مدلولاً عليه من سياق الكلام، تقديره‏:‏ ايت أو اقصد، قالا‏:‏ لأنّك لمّا قلت له‏:‏ انته، أو افعل، أو حسبُك، فأنتَ تحمله على شيء آخر أفضل له‏.‏ وقال الفرّاء من الكوفيّين‏:‏ هو في مثله صفة مصدر محذوف، وهو لا يتأتّى فيما كان منتصباً بعد نهي، ولا فيما كان منتصباً بعد غير متصرّف، نحو‏:‏ وراءَك وحسبُك‏.‏ وقال الكسائي والكوفيّون‏:‏ نصب بكان محذوفة مع خبَرها، والتقدير‏:‏ يكن خيراً‏.‏ وعندي‏:‏ أنّه منصوب على الحال من المصدر الذي تضمّنه الفعل، وحْدَه، أو مع حرف النهي، والتقدير‏:‏ فآمنوا حال كون الإيمان خيراً، وحسبك حال كون الاكتفاء خيراً، ولا تفعل كذا حال كون الانتهاء خيراً‏.‏ وعود الحال إلى مصدر الفعل في مثله كعود الضمير إليه في قوله‏:‏ ‏{‏اعدلوا هو أقرب للتقوى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 8‏]‏، لا سيما وقد جرى هذا مجرى الأمثال، وشأن الأمثال قّوة الإيجاز‏.‏ وقد قال بذلك بعض الكوفيين وأبو البقاء‏.‏

وقوله ‏{‏وإن تكفروا‏}‏ أريد به أن تبقوا على كفركم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فإنّ لله ما في السموات الأرض‏}‏ هو دليل على جواب الشرط، والجواب محذوف لأنّ التقدير‏:‏ إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عن إيمانكم لأنّ لله ما في السموات وما في الأرض، وصرّح بما حذف هُنا في سورة الزمر ‏(‏7‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم‏}‏ وفيه تعريض بالمخاطبين، أي أنّ كفركم لا يفلتكم من عقابه، لأنَّكم عبيده، لأنّ له ما في السماوات وما في الأرض‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏171‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏171‏)‏‏}‏

‏{‏ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏‏.‏

استئناف ابتدائي بخطاب موجّه إلى النصارى خاصّة‏.‏ وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضاً بأنَّهم خالفوا كتابهم‏.‏ وقرينةُ أنَّهم المراد هي قوله‏:‏ ‏{‏إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله إلى قوله‏:‏ أن يكون عبداً لله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 172‏]‏ فإنّه بيان للمراد من إجمال قوله‏:‏ ‏{‏لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ‏}‏ وابتدئت موعظتهم بالنّهي عن الغلوّ لأنّ النّصارى غلَوا في تعظيم عيسى فادّعوا له بنوّة الله، وجعلوه ثالث الآلهة‏.‏

والغلوّ‏:‏ تجاوز الحدّ المألوف، مشتقّ من غَلْوَة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستُعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشْرُوع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال‏.‏ والغلوّ في الدّين أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الّذي حدّد له الدينُ‏.‏ ونهاهم عن الغلوّ لأنَّه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصّادقين‏.‏ وغلّو أهل الكتاب تجاوزُهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم‏:‏ فاليهود طولبوا باتّباع التّوراة ومحبّة رسولهم، فتجاوزوه إلى بِغضة الرسل كعيسى ومحمدّ عليهما السّلام، والنّصارى طولبوا باتّباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيّته أو كونه ابنَ الله، مع الكفر بمحمدّ صلى الله عليه وسلم

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ‏}‏ عطف خاصّ على عامّ للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع‏.‏ وفعل القول إذا عدّي بحرف ‏(‏على‏)‏ دلّ على أنّ نسبة القائل القول إلى المجرور ب ‏(‏على‏)‏ نسبة كاذبة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون على الله الكذب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 78‏]‏‏.‏ ومعنى القول على الله هنا‏:‏ أن يقولوا شيئاً يزعمون أنَّه من دينهم، فإنّ الدين من شأنه أن يتلقّى من عند الله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إنما المسيح عيسى ابن مريم‏}‏ جملة مبيّنة للحدّ الذي كان الغلوّ عنده، فإنَّه مجمل؛ ومبيّنة للمراد من قول الحقّ‏.‏

ولكونها تتنزّل من الَّتي قبلها منزلة البيان فُصلت عنها‏.‏ وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث‏:‏ صفة الرسالة، وصفةِ كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحاً من عند الله‏.‏ فالقصر قصر موصوف على صفة‏.‏ والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها؛ فإنّ هذه الصّفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا يُنكر عليهم وصفُ عيسى بها، لكنّهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرسالة البُنوّة، وجعلوا الكلمة اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله سبحانه، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية‏.‏

والقصر إضافي، وهو قصر إفرادٍ، أي عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يُزاد على تلك الصّفات من كون المسيح ابناً لله واتِّحاد الإلهيّة به وكون مريم صاحبة‏.‏

ووصف المسيح بأنّه كلمة الله وصف جاء التّعبير به في الأناجيل؛ ففي صدر إنجيل يوحنا «في البدء كان الكلمةُ، والكلامة كان عند الله، وكان الكلمة الله ثم قال والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا»‏.‏ وقد حكاه القرآن وأثبته فدلّ على أنّه من الكلمات الإنجيلية، فمعنى ذلك أنّه أثَر كلمة الله‏.‏ والكلمةُ هي التكوين، وهو المعبّر عنه في الاصطلاح ب ‏(‏كُن‏)‏‏.‏ فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنّه تعلّقُ القدرة‏.‏ ووصف عيسى بذلك لأنَّه لم يكن لتكوينه التّأثيرُ الظاهرُ المعروف في تكوين الأجنّة، فكان حدوثه بتعلّق القدرة، فيكون في ‏{‏كلمته‏}‏ في الآية مجازان‏:‏ مجاز حذف، ومجاز استعارة صار حقيقة عرفيّة‏.‏

ومعنى ‏{‏ألقاها إلى مريم‏}‏ أوصلها إلى مريم، وروعي في الضمير تأنيث لفظ الكلمة، وإلاّ فإنّ المراد منها عيسى، أو أراد كلمة أمر التكوين‏.‏ ووصف عيسى بأنّه روح الله وصفٌ وقع في الأناجيل‏.‏ وقد أقرّه الله هنا، فهو ممّا نزل حقّاً‏.‏

ومعنى كون عيسى روحاً من الله أنّ روحه من الأرواح الّتي هي عناصر الحياة، لكنّها نسبت إلى الله لأنَّها وصلت إلى مريم بدون تكوّن في نطفةٍ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح‏.‏ ووُصف بأنّه مبتدأ من جانب الله، وقيل‏:‏ لأنّ عيسى لمّا غلبت على نفسه الملكية وصف بأنّه روح، كأنّ حظوظ الحيوانية مجرّدة عنه‏.‏ وقيل‏:‏ الروح النفخة‏.‏ والعرب تسمّى النفس روحاً والنفخ روحاً‏.‏ قال ذو الرمّة يذكر لرفيقه أن يوقد ناراً بحطب‏:‏

فقلت له ارفعها إليك فأَحيها *** برُوحك واقتُتْه لها قِيتة قَدْرا

‏(‏أي بنفخك‏)‏‏.‏

وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل‏.‏ و‏(‏مِن‏)‏ ابتدائية على التقادير‏.‏

فإن قلت‏:‏ ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى، وهلاّ وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 110‏]‏ فكان أصرح في بيان العبوديّة، وأنفى للضلال‏.‏

قلت‏:‏ الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل، أو في كلام الحواريّين وصفاً لعيسى عليه السّلام، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل، أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله‏.‏

وتصدير جملة القصر بأنّه ‏{‏رسول الله‏}‏ ينادي على وصف العبوديّة إذ لا يُرسل الإله إلهاً مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح‏.‏

‏{‏فامنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إله واحد سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ وما فِى السماوات وَمَا فِى الارض وكفى بالله وَكِيلاً‏}‏ صلى الله عليه وسلم‏.‏

الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه‏.‏ أي إذا وضح كلّ ما بيَّنه الله من وحدانيَّته، وتنزيهه، وصدق رسله، يتفرّع أن آمُركم بالإيمان بالله ورسله‏.‏ وأمروا بالإيمان بالله مع كونهم مؤمنين، أي النصارى، لأنّهم لمّا وصفوا الله بما لا يليق فقد أفسدوا الإيمان، وليكون الأمر بالإيمان بالله تمهيداً للأمر بالإيمان برُسله، وهو المقصود، وهذا هو الظاهر عندي‏.‏ وأريدَ بالرسل جميعهم، أي لا تكفروا بواحد من رسله‏.‏ وهذا بمنزلة الاحتراس عن أن يتوهّم متوهّمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسى عليه السلام مبالغة في نفي الإلهية عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا ثلاثة‏}‏ أي لا تنطقوا بهذه الكلمة، ولعلّها كانت شعاراً للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين، ومن عوائدهم الإشارة إلى التثليث بالأصابع الثلاثة‏:‏ الإبهام والخنصر والبنصر‏.‏ والمقصود من الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الاعتقاد‏.‏ لأنّ أصل الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلاّ عن اعتقاد، فالنهي هنا كناية بإرادةِ المعنى ولازمه‏.‏ والمخاطب بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا‏}‏ خصوص النّصارى‏.‏

و ‏{‏ثلاثة‏}‏ خبر مبتدأ محذوف كانَ حذفه ليصلحَ لكلّ ما يصلحُ تقديره من مذاهبهم من التثليث، فإنّ النصارى اضطربوا في حقيقة تثليث الإله كما سيأتي، فيقدر المبتدأ المحذوف على حسب ما يقتضيه المردود من أقوالهم في كيفية التثليث ممّا يصحّ الإخبار عنه بلفظ ‏{‏ثلاثة‏}‏ من الأسماء الدّالة على الإله، وهي عدّة أسماء‏.‏ ففي الآية الأخرى ‏{‏لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 73‏]‏‏.‏ وفي آية آخر هذه السورة ‏{‏أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏، أي إلهين مع الله، كما سيأتي، فالمجموع ثلاثة‏:‏ كلّ واحد منهم إله؛ ولكنّهم يقولون‏:‏ أنّ مجموع الثلاثة إله واحد أو اتّحدت الثلاثة فصار إله واحد‏.‏ قال في «الكشّاف»‏:‏ ‏(‏ثلاثة‏)‏ خبر مبتدأ محذوف فإن صحّت الحكاية عنهم أنَّهم يقولون‏:‏ هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فتقديره الله ثلاثة وإلاّ فتقديره الآلهة ثلاثة اه‏.‏

والتثليث أصل في عقيدة النصارى كلّهم، ولكنّهم مختلفون في كيفيته‏.‏‏.‏ ونشأ من اعتقاد قدماء الإلهيّين من نصارى اليونان أنّ الله تعالى ‏(‏ثَالُوث‏)‏، أي أنَّه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع ثلاثة أقانيم، واحدها أقْنُوم بضم الهمزة وسكون القاف‏.‏ قال في «القاموس»‏:‏ هو كلمة رومية، وفسّره القاموس بالأصل، وفسّره التفتزاني في كتاب «المقاصد» بالصفة‏.‏ ويظهر أنَّه معرّب كلمة ‏(‏قنوم بقاف معقد عجمي‏)‏ وهو الاسم، أي ‏(‏الكلمة‏)‏‏.‏ وعبّروا عن مجموع الأقانيم الثلاثة بعبارة ‏(‏آبَا ابنَا رُوحا قُدُسا‏)‏ وهذه الأقانيم يتفرّع بعضها عن بعض‏:‏ فالأقنوم الأول أقنوم الذات أو الوجود القديم وهو الأب وهو أصل الموجودات‏.‏

والأقنوم الثاني أقنوم العلم، وهو الابن، وهو دونَ الأقنوم الأول، ومنه كان تدبير جميع القوى العقلية‏.‏

والأقنوم الثالث أقنوم الروح القُدس، وهو صفة الحياة، وهي دون أقنوم العلم ومنها كان إيجاد عالم المحسوسات‏.‏

وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية، مثل القِدم والبقاء، وتركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة، ثمّ أرادوا أن يتأوّلوا ما يقع في الإنجيل من صفات الله فسمّوا أقنوم الذات بالأب، وأقنوم العلم بالابن، وأقنوم الحياة بالروح القدس، لأنّ الإنجيل أطلق اسم الأب على الله، وأطلق اسم الابن على المسيح رسوله، وأطلق الروح القدس على ما به كُوّن المسيح في بطن مريم، على أنَّهم أرادوا أن ينبّهوا على أنّ أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين فراموا أن يدلّوا على عدم تأخّر بعض الصّفات عن بعض فعبّروا بالأب والابن، ‏(‏كما عبّر الفلاسفة اليونان بالتولّد‏)‏‏.‏ وسمّوا أقنوم العلم بالكلمة لأنّ من عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح، فأرادوا أنّ المسيح مظهر علم الله، أي أنَّه يعلم ما علمه الله ويبلّغه، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم تدوين الأناجيل مكلَّلاً بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الروميّة، فلمّا اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر فاعتقدوا أنّ الأرباب ثلاثة وهذا أصل النصرانيّة، وقاربوا عقيدة الشرك‏.‏

ثمّ جَرّهم الغُلوّ في تقديس المسيح فتوهَّموا أنّ علم الله اتّحد بالمسيح، فقالوا‏:‏ إنّ المسيح صار ناسوتُه لاَهُوتاً، باتّحاد أقنُوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثمّ نشأت فيهم عقيدة الحلول، أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوّعة، ثمّ اعتقدوا اتّحاد الله بالمسيح، فقالوا‏:‏ الله هو المسيح‏.‏ هذا أصل التثليث عند النّصارى، وعنه تفرّعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا ثلاثة‏}‏ وقولُه ‏{‏لقد كفر الّذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 72‏]‏ وقولُه‏:‏ ‏{‏أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏ وكانوا يقولون‏:‏ في عيسى لاهوتيةٌ من جهة الأب ونَاسوتيَّةٌ أي إنسانية من جهة الأمّ‏.‏

وظهر بالإسكندرية راهب اسمه ‏(‏آريوس‏)‏ قالو بالتوحيد وأنّ عيسى عبدُ الله مخلوق، وكان في زمن ‏(‏قسطنطينوس سلطان الرّون باني القسطنطينية‏)‏‏.‏ فلمّا تديّن قسطنطينوس المذكور بالنصرانية سنة327 تبع مقالة ‏(‏آريوس‏)‏، ثمّ رأى مخالفةَ معظممِ الرهبان له فأراد أن يوحّد كلمتهم، فجمع مجمعاً من علماء النصارى في أواخر القرن الرابع من التّاريخ المسيحي، وكان في هذا المجمع نحو ألفي عالم من النصارى فوجدهم مختلفين اختلافاً كثيراً ووجد أكثر طائفة منهم على قول واحدٍ ثلاثَمائة وبضعةَ عشر عالماً فأخذ قولهم وجعله أصل المسيحيّة ونصَره، وهذه الطائفة تلقّب ‏(‏المَلْكَانِيَّة‏)‏ نسبة للمَلِك‏.‏

واتَّفق قولهم على أنّ كلمة الله اتَّحدت بجسد عيسى، وتقمَّصت في ناسوته، أي إنسانيته، ومازجته امتزاج الخمر بالماء، فصارت الكلمةُ ذاتاً في بطن مريم، وصارت تلك الذات ابناً لله تعالى، فالإلهُ مجموع ثلاثة أشياء‏:‏

الأوّل الأب ذُو الوجود، والثاني الابن ذُو الكلمة، أي العلم، والثالث روح القدس‏.‏

ثمّ حدثت فيهم فرقة اليَعْقوبية وفرقة النَّسْطُورِيَّة في مجامع أخرى انعقدت بين الرهبان‏.‏ فاليعقوبيّة، ويسمّون الآن ‏(‏أرْثُودُكْسْ‏)‏، ظَهروا في أواسط القرن السادس المسيحي، وهم أسبق من النسطورية؛ قالوا‏:‏ انقلبت الإلهية لَحْماً ودَماً؛ فصار الإله هو المسيح فلأجل ذلك صدرت عن المسيح خوارق العادات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فأشبه صُنْعه صنع الله تعالى ممّا يعجز عنه غير الله تعالى‏.‏ وكان نصارى الحبشة يعاقبه، وسنتعرّض لذكرها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم‏}‏ في سورة المائدة ‏(‏72‏)‏، وعند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاختلف الأحزاب من بينهم‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 37‏]‏‏.‏

والنَّسطوريّة قالت‏:‏ اتَّحدت الكلمة بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرق الشّمس من كوة مِن بلّور، فالمسح إنسان، وهو كلمة الله، فلذلك هو إنسان إله، أو هو له ذاتيتان ذات إنسانيّة وأخرى إلهيّة، وقد أطلق على الرئيس الديني لهذه النّحلة لقب ‏(‏جَاثِليق‏)‏‏.‏ وكانت النحلة النسطورية غالبة على نصارى العرب‏.‏ وكان رهبان اليعاقبة ورهبان النسطوريين يتسابقون لبث كلّ فريققٍ نحلتَه بين قبائل العرب‏.‏ وكان الأكاسرة حُماة للنسطورية‏.‏ وقياصرةُ الرّوم حُمَاة لليعقوبية‏.‏ وقد شاعت النّصرانيّة بنحْلتيْها في بَكْر، وتَغلب، وربيعة، ولخم، وجُذام، وتَنُوخ، وكَلْب، ونَجْران، واليَمَن، والبحرين‏.‏ وقد بَسَطْتُ هذا ليعلم حُسن الإيجاز في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا ثلاثة‏}‏ وإتيانه على هذه المذاهب كلّها‏.‏ فللّه هذا الإعجاز العلمي‏.‏

والقول في نَصب ‏(‏خيراً‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏انتهوا خيراً لكم‏}‏ كالقول في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآمنوا خيراً لكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 170‏]‏‏.‏ والقصر في قوله‏:‏ ‏{‏إنَّما الله إله واحد‏}‏ قصر موصوف على صفة، لأنّ ‏(‏إنّما‏)‏ يليها المقصور، وهو هنا قصر إضافي، أي ليس الله بثلاثة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سبحانه أن يكون له ولد‏}‏ إظهار لغلطهم في أفهامهم، وفي إطلاقاتهم لفظَ الأب والابن كيفما كان محملهما لأنَّهما إمّا ضلالة وإمّا إيهامُها، فكلمة ‏(‏سبحانه‏)‏ تفيد قوة التنزيه لله تعالى عن أن يكون له ولد، والدلالةَ على غلط مثبتيهِ، فإنّ الإلهية تنافي الكون أبا واتّخاذَ ابن، لاستحالة الفناء، والاحتياج، والانفصال، والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى‏.‏ والبنوّة تستلزم ثبوت هذه المستحيلات لأنّ النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع، والناس يتطلّبونها لذلك، وللإعانةِ على لوازم الحياة، وفيها انفصال المولود عن أبيه، وفيها أنّ الابن مماثلة لأبيه فأبُوه مماثل له لا محالة‏.‏

و ‏(‏سبحان‏)‏ اسم مصدر سَبَّح، وليس مصدراً، لأنَّه لم يسمع له فعل سالم‏.‏ وجزم ابن جني بأنّه علَم على التسبيح، فهو من أعلام الأجناس، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة‏.‏ وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا‏}‏

في سورة البقرة ‏(‏32‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ أنْ يكونَ له وَلَدَ‏}‏ متعلّق ب ‏(‏سبحان‏)‏ حرف الجرّ، وهو حرف ‏(‏عَن‏)‏ محذوفاً‏.‏

وجملة ‏{‏له ما في السموات وما في الأرض‏}‏ تعليل لقوله‏:‏ ‏{‏سبحانه أن يكون له ولد‏}‏ لأنّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض قد استغنى عن الولد، ولأنّ من يُزْعَم أنَّه ولدٌ له هو ممّا في السماوات والأرض كالملائكة أو المسيح، فالكلّ عبيده وليس الابن بعبد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وكفى بالله وكيلا‏}‏ تذييل، والوكيل الحافظ، والمراد هنا حافظ ما في السماوات والأرض، أي الموجودات كُلّها‏.‏ وحُذف مفعول ‏(‏كفى‏)‏ للعموم، أي كفى كلّ أحد، أي فتوكّلوا عليه، ولا تتوكّلوا على من تزعمونه ابناً له‏.‏ وتقدّم الكلام على هذا التركيب عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بالله وكيلاً‏}‏ في هذه السورة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏172- 173‏]‏

‏{‏لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ‏(‏172‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏173‏)‏‏}‏

استئناف واقع موقع تحقيق جملة ‏{‏له ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏ أو موقع الاستدلال على ما تضمّنته جملة ‏{‏سبحانه أن يكون له ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏‏.‏

والاستنكاف‏:‏ التكبّر والامتناع بأنفة، فهو أشد من الاستكبار، ونفي استنكاف المسيح‏:‏ إمّا إخبار عن اعتراف عيسى بأنّه عبد الله، وإمّا احتجاج على النّصارى بما يوجد في أناجيلهم‏.‏ قال الله تعالى حكاية عنه ‏{‏قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 30‏]‏ إلخ‏.‏ وفي نصوص الإنجيل كثير ممّا يدلّ على أنّ المسيح عبد الله وأنّ الله إلهُه وربّه، كما في مجادلته مع إبليس، فقد قال له المسيح «للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد»‏.‏

وعُدل عن طريق الإضافة في قوله‏:‏ ‏{‏عبداً لِلّه‏}‏ فأظهر الحرف الّذي تقدّر الإضافة عليه‏:‏ لأنّ التنكير هنا أظهر في العبودية، أي عبداً من جملة العبيد، ولو قال‏:‏ عبدَ اللّهِ لأوهمت الإضافة أنّه العبد الخِصّيص، أو أنّ ذلك علَم له‏.‏ وأمّا ما حكى الله عن عيسى عليه السلام في قوله ‏{‏قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 30‏]‏ فلأنّه لم يكن في مقام خطاب من ادّعوا له الإلهية‏.‏

وعطف الملائكة على المسيح مع أنّه لم يتقدّم ذِكْر لمزاعم المشركين بأنّ الملائكة بنات الله حتّى يتعرّض لردّ ذلك، إدماج لقصد استقصاء كلّ من ادعيت له بنوة الله، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبداً لله، إذ قد تقدّم قبله قوله‏:‏ ‏{‏سبحانه أن يكون له ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، وقد قالت العرب‏:‏ إنّ الملائكة بنات الله من نساء الجنّ، ولأنَّه قد تقدّم أيضاً قوله‏:‏ ‏{‏له ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، ومِنْ أفضل ما في السماوات الملائكة، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبوديّة‏.‏ وإن جعلتَ قوله‏:‏ ‏{‏لن يستنكف المسيح‏}‏ استدلالاً على ما تضمّنه قوله‏:‏ ‏{‏سبحانَه أن يكون له ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏ كان عطف ‏{‏ولا الملائكة المقرّبون‏}‏ محتمِلاً للتتميم كقوله‏:‏ ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 3‏]‏ فلا دلالة فيه على تفضيل الملائكة على المسيح، ولا على العكس؛ ومحتملاً للترقّي إلى ما هو الأولى بعكس الحكم في أوهام المخاطبين، وإلى هذا الأخير مال صاحب «الكشّاف» ومثله بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حّتى تتّبع ملّتهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 120‏]‏ وجعل، الآية دليلاً على أنّ الملائكة أفضل من المسيح، وهو قول المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وزعم أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك، وهو تضييق لواسع، فإنّ الكلام محتمل لوجوه، كما علمت، فلا ينهض به الاستدلال‏.‏

واعلم أنّ تفضيل الأنبياء على الملائكة مطلقاً هو قول جمهور أهل السنّة، وتفضيل الملائكة عليهم قول جمهور المعتزلة والبَاقِلاّني والحليمي من أهل السنّة، وقال قوم بالتفصيل في التفضيل، ونسب إلى بعض الماتريدية، ولم يضبط ذلك التفصيل، والمسألة اجتهادية، ولا طائل وراء الخوض فيها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في تفاضل الأنبياء، فما ظنّك بالخوض في التفاضل بين الأنبياء وبين مخلوقات عالم آخر لا صلة لنا به‏.‏

و ‏{‏المقرّبون‏}‏، يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً، وأن يكون مقيِّداً، فيراد بهم الملقّبون ‏(‏بالكَرُوبيين‏)‏ وهم سادة الملائكة‏:‏ جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل‏.‏ ووصفُهم بالكَروبيين وصف قديم وقع في بيت نسب إلى أميّة بن أبي الصلت‏.‏ وقد قالوا‏:‏ إنَّه وصف مشتقّ من كَرَب مرادف قَرُب، وزيد فيه صيغتا مبالغة، وهي زنة فَعول وياء النسب‏.‏ والَّذي أظنّ أنّ هذا اللّفظ نقل إلى العربيّة من العبرانيّة‏:‏ لوقوع هذا اللّفظ في التّوراة في سفر اللاويين وفي سفر الخروج، وأنّه في العبرانيّة بمعنى القرب، فلذلك عدل عنه القرآن وجاء بمرادفه الفصيح فقال‏:‏ ‏{‏المقرّبون‏}‏، وعليه فمن دونهم من الملائكة يثبت لهم عدم الاستنكاف عن العبوديّة لله بدلالة الأحرى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يستنكف عن عبادته‏}‏ الآية تخلّص إلى تهديد المشركين كما أنبأ عنه قوله‏:‏ ‏{‏وأمَّا الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذّبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله وليَّاً ولا نصيرا‏}‏‏.‏

وضمير الجمع في قوله‏:‏ ‏{‏فسيحشرهم‏}‏ عائد إلى غير مذكور في الكلام، بل إلى معلوم من المقام، أي فسَيَحْشُر النّاسَ إليه جميعاً كما دلّ عليه التفصيل المفرّع عليه وهو قوله‏:‏ ‏{‏فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ الخ‏.‏ وضمير ‏{‏ولا يجدون‏}‏ عائد إلى ‏{‏الَّذين استنكفوا واستكبروا‏}‏، أي لا يجدون وليّاً حين يحشر الله النّاس جميعاً‏.‏ ويجوز أن يعود إلى الَّذين ‏{‏استنكفوا واستكبروا‏}‏ ويكون ‏{‏جميعاً‏}‏ بمعنى مجموعين إلى غيرهم، منصوباً، فإنّ لفظ جميع له استعمالات جمّة‏:‏ منها أن يكون وصفاً بمعنى المجتمع، وفي كلام عمر للعبّاس وعليّ‏:‏ «ثم جئتُماني وأمركما جميع» أي متّفق مجموع، فيكون منصوباً على الحال وليس تأكيداً‏.‏ وذكر فريق المؤمنين في التفصيل يدلّ على أحد التقديرين‏.‏

والتوفية أصلها إعطاء الشيء وافياً، أي زائداً على المقدار المطلوب، ولمّا كان تحقّق المساواة يخفَى لقلّة المَوازين عندهم، ولاعتمادهم على الكيل، جعلوا تحقّق المساواة بمقدار فيه فضْل على المقدار المساوي، أطلقت التوفية على إعطاء المعادل؛ وتُقابَل بالخسان وبالغبن، قال تعالى حكاية عن شعيب ‏{‏أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 181‏]‏ ولذلك قال هنا‏:‏ ‏{‏ويزيدُهم من فضله‏}‏، وهذه التوفية والزيادة يرجعان إلى تقدير يعلمه الله تعالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيراً‏}‏ تأييس لهم إذ قد عرف عند العرب وغيرهم، من أمم ذلك العصر، الاعتماد عند الضيق على الأولياء والنصراء ليكفّوا عنهم المصائب بالقتال أو الفداء، قال النابغة‏:‏

يأمُلْنَ رِحلة نَصر وابن سيَّار *** ولذلك كثر في القرآن نفي الوليّ، والنصير، والفداء ‏{‏فلَن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذابٌ أليمٌ وما لهم من ناصرين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 91‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏174- 175‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ‏(‏174‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏175‏)‏‏}‏

فذلكة للكلام السابق بما هو جامع للأخذ بالهدى ونبذ الضلال، بما اشتمل عليه القرآن من دلائل الحقّ وكبح الباطل‏.‏ فالجملة استئناف وإقبال على خطاب النّاس كلّهم بعد أن كان الخطاب موجّهاً إلى أهل الكتاب خاصّة‏.‏ والبرهان‏:‏ الحجّة، وقد يخصّص بالحجّة الواضحة الفاصلة، وهو غالب ما يقصد به في القرآن، ولهذا سمّى حكماء الإسلام أجَلّ أنواع الدليل، بُرهاناً‏.‏

والمراد هنا دلائل النبوءة‏.‏ وأمّا النور المبين فهو القرآن لقوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا‏}‏ والقول في ‏{‏جاءكم‏}‏ كالقوللِ في نظيره المتقدّم في قوله‏:‏ ‏{‏قد جاءكم الرّسول بالحقّ من ربّكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 170‏]‏؛ وكذلك القول في ‏{‏أنزلنا إليكم‏}‏‏.‏

و ‏(‏أمّا‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏فأما الذين آمنوا بالله‏}‏ يجوز أن يكون للتفصيل‏:‏ تفصيلاً لِمَا دَلّ عليه ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ من اختلاف الفرق والنزعات‏:‏ بين قابل للبرهان والنّور، ومكابر جاحد، ويكون مُعادل هذا الشقّ محذوفاً للتهويل، أي‏:‏ وأمَّا الذين كفروا فلا تسل عنهم، ويجوز أن يكون ‏(‏أمّا‏)‏ لمجرد الشرط دون تفصيل، وهو شرط لِعموم الأحوال، لأنّ ‏(‏أمّا‏)‏ في الشرط بمعنى ‏(‏مَهما يكُنْ من شيء‏)‏ وفي هذه الحالة لا تفيد التفصيل ولا تطلب معادلاً‏.‏

والاعتصام‏:‏ اللوْذ، والاعتصام بالله استعارة لللوذ بدينه، وتقدّم في قوله ‏{‏واعتصموا بحبل الله جميعاً‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏103‏)‏‏.‏ والإدخال في الرحمة والفضل عبارة عن الرضى‏.‏

وقوله‏:‏ ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً‏}‏‏:‏ تعلَّق الجار والمجرور ب ‏(‏يهدي‏)‏ فهو ظرف لَغو، و‏{‏صراطاً‏}‏ مفعول ‏(‏يهدي‏)‏، والمعنى يهديهم صراطاً مستقيماً ليصلوا إليه، أي إلى الله، وذلك هو متمنّاهم، إذ قد علموا أنّ وعدهم عنده‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏176‏]‏

‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏

لا مناسبة بين هذه الآية وبين اللاّتي قبلها، فوقوعها عقبها لا يكون إلاّ لأجْل نزولها عقب نزول ما تقدّمها من هذه السورة مع مناسبتها لآية الكلالة السابقة في أثناء ذكر الفرائض؛ لأنّ في هذه الآية بياناً لحقيقة الكلالة أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس له ولد‏}‏، وقد تقدّم في أوّل السّورة أنَّه ألحق بالكلالة المالك الّذي ليس له والد، وهو قول الجمهور ومالك بن أنس‏.‏

فحكُم الكلالة قد بيّن بعضه في آية أول هذه السورة، ثمّ إنّ النّاس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صورة أخرى من صور الكلالة‏.‏ وثبت في الصحيح أنّ الذي سأله هو جابر بن عبد الله قال‏:‏ عادني رسول الله وأبُو بكر ماشيين في بني سَلِمة فوجداني مغمى عليّ فتوضّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبّ عليّ وَضوءه فأفقتُ وقلت‏:‏ كيف أصنع في مالي فإنَّما يرثني كلالة‏.‏ فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة‏}‏ الآية‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنّها نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متجهّز لحجّة الوداع في قضية جابر بن عبد الله‏.‏

فضمير الجماعة في قوله‏:‏ ‏{‏يستفتونك‏}‏ غير مقصود به جمع، بل أريد به جنس السائلين، على نحو‏:‏ «ما بال أقوام يشترطون شروطاً» وهذا كثير في الكلام‏.‏ ويجوز أن يكون السؤال قد تكرّر وكان آخرُ السائلين جابرَ بن عبد الله فتأخّر الجواب لمن سأل قبله، وعُجّل البيان له لأنّه وقتُ الحاجة لأنّه كان يظنّ نفسه ميّتاً من ذلك المرض وأراد أن يوصي بماله، فيكون من تأخير البيان إلى وقت الحاجة‏.‏

والتعبير بصيغة المضارع في مادة السؤال طريقة مشهورة، نحو‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأهلّة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 189‏]‏، ‏{‏ويسألونك ماذا ينفقون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 219‏]‏‏.‏ لأنّ شأن السؤال يتكرّر، فشاع إيراده بصيغة المضارع، وقد يغلب استعمال بعض صيغ الفعل في بعض المواقع، ومنه غلبة استعمال المضارع في الدعاء في مقام الإنكار‏:‏ كقول عائشة «يرحم الله أبا عبد الرحمن» ‏(‏تعني ابن عمر‏)‏‏.‏ وقولهم‏:‏ «يغفر الله له»‏.‏ ومنه غلبة الماضي مع لا النافية في الدعاء إذا لم تكرّر لا؛ نحو «فَلا رَجَع»‏.‏ على أنّ الكلالة قد تكرّر فيها السؤال قبل نزول الآية وبعدها‏.‏ وقد قال عمر بن الخطّاب‏:‏ ما راجعتُ رسول الله في شيء مراجعتي إيَّاه في الكلالة، وما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما أغلظ لي فيها حتّى طعن في نحري، وقال‏:‏ ‏"‏ يكفيك آية الصيف الّتي في آخر سورة النساء ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏{‏في الكلالة‏}‏ يتنازعه في التعلّق كلّ من فعل ‏(‏يستفتونك‏)‏ وفعل ‏(‏يفتيكم‏)‏‏.‏

وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف، وعُرِفت بذلك، كما عُرفت آية الكلالة التي في أوّل السورة بآية الشتاء، وهذا يدلّنا على أنّ سورة النّساء نزلت في مدّة متفرّقة من الشتاء إلى الصيف وقد تقدّم هذا في افتتاح السورة‏.‏

وقد روي‏:‏ أنّ هذه الآية في الكلالة نزلت في طريق حجّة الوداع، ولا يصحّ ذلك لأنّ حجّة الوداع كانت في زمن البرد لأنّه لا شكّ أنّ غزوة تبوك وقعت في وقت الحرّ حين طابت الثّمار، والنّاس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، وذلك يقتضي أن تكون غزوة تبوك في نحو شهر أغسطس أو اشتنبر وهو وقت طيب البسر والرطب، وكانت سنة تسع وكانت في رجب ونزل فيها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا لا تَنفِروا في الحرّ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 81‏]‏‏.‏ ثم كانت حجّة أبي بكر في ذي القعدة من تلك السنة، سنة تسع، وذلك يوافق دجنبر‏.‏ وكان حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع في ذي الحجّة من سنة عشر فيوافق نحو شهر دجنبر أيضاً‏.‏

وعن عمر بن الخطّاب‏:‏ أنَّه خطب فقال‏:‏ «ثلاث لو بيَّنَها رسول الله لكان أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها‏:‏ الجَدّ‏.‏ والكلالةُ، وأبوابُ الرّبا»‏.‏ وفي رواية والخِلافة‏.‏ وخطب أيضاً فقال‏:‏ والله إنّي ما أدع بعدي شيئاً هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة‏.‏ وقال في مجمع من الصحابة‏:‏ لأقضينّ في الكلالة قضاء تتحدّث به النّساء في خدورها‏.‏ وأنّه كتب كتاباً في ذلك فمكث يستخير الله فيه، فلمّا طعن دعا بالكتاب فمحاه‏.‏ وليس تحيّر عمر في أمر الكلالة بتحيْر في فهم ما ذكره الله تعالى في كتابه ولكنّه في اندراج ما لم يذكره القرآن تحت ما ذكره بالقياس‏.‏ وقد ذكر القرآن الكلالة في أربع آيات‏:‏ آيتَيْ هذه السورة المذكور فيها لفظ الكلالة، وآية في أوّل هذه السورة وهي قوله‏:‏ ‏{‏فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وآية آخر الأنفال ‏(‏75‏)‏ وهي قوله‏:‏ ‏{‏وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض‏}‏ في كتاب الله عند من رأى توارث ذوي الأرحام‏.‏ ولا شكّ أنّ كلّ فريضة ليس فيها ولد ولا والد فهي كلالة بالاتّفاق، فأمّا الفريضة التي ليس فيها ولد وفيها والد فالجمهور أنَّها ليست بكلالة‏.‏ وقال بعض المتقدّمين‏:‏ هي كلالة‏.‏

وأمَره بأن يجيب بقوله‏:‏ الله يفتيكم‏}‏ للتنويه بشأن الفريضة، فتقديم المسند إليه للاهتمام لا للقصر، إذ قد علم المستفتون أنّ الرسول لا ينطق إلاّ عن وحي، فهي لمّا استفتوه فإنّما طلبوا حكم الله، فإسناد الإفتاء إلى الله تنويه بهذه الفريضة‏.‏

والمراد بالأخت هنا الأخت الشقيقة أو الَّتي للأب في عدم الشقيقة بقرينة مخالفة نصيبها لنصيب الأخت للأمّ المقصودة في آية الكلالة الأولى، وبقرينة قوله‏:‏ ‏{‏وهو يرثها‏}‏ لأنّ الأخ للأمّ لا يرث جميع المال إن لم يكن لأخته للأمّ ولد إذ ليس له إلاّ السدس‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن امرؤ هلك‏}‏ تقديره‏:‏ إن هلك امرؤ، فامرؤ مخبَر عنه ب ‏(‏هلَكَ‏)‏ في سياق الشرط، وليس ‏(‏هَلَك‏)‏ بوصف ل ‏(‏امرؤ‏)‏ فلذلك كان الامرؤ المفروض هنا جنساً عامّاً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وهو يرثها‏}‏ يعود الضمير فيه على لفظ ‏(‏امرؤ‏)‏ الواقع في سياق الشرط، المفيد للعموم‏:‏ ذلك أنَّه وقع في سياق الشرط لفظ ‏(‏امرؤ‏)‏ ولفظ ‏(‏أخ‏)‏ أو ‏(‏أخت‏)‏، وكلّها نكرات واقعة في سياق الشرط، فهي عامّة مقصود منها أجناس مدلولاتها، وليس مقصوداً بها شخص معيّن قد هلك، ولا أخت معيّنة قد ورثت، فلمّا قال ‏{‏وهو يرثها‏}‏ كان الضمير المرفوع راجعاً إلى ‏(‏امرؤ‏)‏ لا إلى شخص معيّن قَد هلك، إذ ليس لمفهوم اللفظ هنا فرد معيّن فلا يشكل عليك بأنّ قوله‏:‏ ‏{‏امرؤ هلك‏}‏ يتأكّد بقوله‏:‏ ‏{‏وهو يرثها‏}‏ إذ كيف يصير الهالك وارثاً‏.‏ وأيضاً كان الضمير المنصوب في «يرثها» عائداً إلى مفهوم لفظ أخت لا إلى أخت معيّنة، إذ ليس لمفهوم اللّفظ هنا فرد معيّن، وعلم من قوله‏:‏ ‏{‏يرثها‏}‏ أنّ الأخت إن توفّيت ولا ولد لها يرثها أخوها، والأخ هو الوارث في هذه الصورة، وهي عكس التي قبلها‏.‏ فالتقدير‏:‏ ويرث الأختَ امرؤ إن هلكت أخته ولم يكن لها ولد‏.‏ وعلم معنى الإخوة من قوله‏:‏ ‏{‏وله أخت‏}‏، وهذا إيجاز بديع، ومَع غاية إيجازه فهو في غاية الوضوح، فلا يشكل بأنّ الأخت كانت وارثة لأخيها فكيف عاد عليها الضمير بأن يرثها أخوها الموروث، وتصير هي موروثة، لأنّ هذا لا يفرضه عالم بالعربية، وأنَّما يُتوهّم ذلك لو وقع الهلك وصفاً لامرئ؛ بأن قيل‏:‏ المرء الهالك يرثه وارثه وهو يرث وارثه إن مَات وارثه قبله‏.‏ والفرق بين الاستعمالين رشيق في العربية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يبيّن الله لكم أن تضلّوا‏}‏ امتنان، و‏{‏أن تضلّوا‏}‏ تعليل ل ‏(‏يبيّنُ‏)‏ حذفت منه اللام، وحذفُ الجار مع ‏(‏أن‏)‏ شائع‏.‏ والمقصود التعليل بنفي الضلال لا لوقوعه؛ لأنّ البيان ينافي التضليل، فحُذفت لا النافية، وحذفها مَوجود في مواقع من كلامهم إذا اتّضح المعنى، كما ورد مع فعل القسم في نحو‏:‏

فآليْنَا علَيها أنْ تُبَاعا *** أي أن لا تباع، وقوله‏:‏

آليتُ حَبّ العِراق الدهرَ أطْعَمُه *** وهذا كقول عمرو بن كلثوم‏:‏

نَزلتم منزل الأضياف منّا *** فعجَّلنا القِرى أنْ تشتمونا

أي أن لا تشتمونا بالبخل، وهذا تأويل الكوفيين، وتأوّل البَصريون الآية والبيت ونظائرهما على تقدير مضاف يدلّ عليه السياق هو المفعول لأجله، أي كراهة أن تضلّوا، وبذلك قدّرها في «الكشاف»‏.‏

وقد جعل بعض المفسّرين ‏{‏أن تضلّوا‏}‏ مفعولاً به ل ‏(‏يبيّن‏)‏ وقال‏:‏ المعنى أنّ الله فيما بيّنه من الفرائض قد بيّن لكم ضَلالكم الذي كنتم عليه في الجاهلية، وهذا بعيد؛ إذ ليس ما فعلوه في الجاهلية ضلالاً قبل مجيء الشريعة، لأنّ قسمة المال ليست من الأفعال المشتملة على صفة حسن وقبيح بيّنه إلاّ إذا كان فيها حرمَان لمن هو حقيق بالمؤاساة والمبرّة، ولأنّ المصدر مع ‏(‏أن‏)‏ يتعيّن أن يكون بمعنى المستقبل، فكيف يصحّ أن يراد ب ‏{‏أن تضلّوا‏}‏ ضلالاً قد مضى، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن تقولوا إنَّما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏156‏)‏‏.‏

وعن عمر أنَّه كان إذا قرأ هذه الآية يقول‏:‏ اللَّهمّ من بُيِّنَتْ له الكلالةُ فلم تُبيَّنْ لي رواه الطبري، وفي سنده انقطاع، وقد ضعّفوه‏.‏

وقوله‏:‏ والله بكلّ شيء عليم‏}‏ تذييل‏.‏ وفي هذه الآية إيذان بختم الكلام، كقوله‏:‏ ‏{‏هذا بلاغ للنّاس وليُنذروا به‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 52‏]‏ الآية، وكقوله تعالى في حكاية كلام صاحب موسى ‏{‏ذلك تأويل ما لم تسْطِع عليه صبراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 82‏]‏‏.‏ فتُؤذن بختام السورة‏.‏

سورة المائدة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود‏}‏‏.‏

تصدير السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سَتَرد بعده أحكام وعقود كانت عقدت من الله على المؤمنين إجمالاً وتفصيلاً، ذكَّرهم بها لأنّ عليهم الإيفاء بما عاقدوا الله عليه‏.‏ وهذا كما تفتتح الظهائر السلطانية بعبارة‏:‏ هذا ظهير كريم يُتقبل بالطاعة والامتثال‏.‏ وذلك براعة استهلال‏.‏

فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها ربّهم وهو الامتثال لِشريعته، وذلك كقوله‏:‏ ‏{‏واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 7‏]‏، ومثل ما كان يبَايع عليه الرسولُ المؤمنين أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا، ويقول لهم‏:‏ فمن وفى منكم فأجره على الله‏.‏

وشَمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين، مثل قوله‏:‏ ‏{‏فسيحيوا في الأرض أربعةَ أشهر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 2‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا آمِّين البيتَ الحرام‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2‏]‏‏.‏ ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم‏.‏

والإيفاء هو إعطاء الشيء وافياً، أي غير منقوص، ولمّا كان تحقّق ترك النقص لا يحصل في العرف إلاّ بالزيادة على القدر الواجب، صار الإيفاء مراداً منه عرفاً العدل، وتقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفّيهم أجورهم‏}‏ في سورة النساء ‏(‏173‏)‏‏.‏

والعقود جمع عقد بفتح العين، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل مّا‏.‏ وحقيقته أنّ العقد هو ربط الحبل بالعروة ونحوها، وشدّ الحبل في نفسه أيضاً عقد‏.‏ ثم استعمل مجازاً في الالتزام، فغلب استعماله حتّى صار حقيقة عرفية، قال الحطيئة‏:‏

قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدّوا العِناج وشدّوا فوقه الكَرَبَا

فذكر مع العقد العناج وهو حبل يشدّ القربة، وذكر الكَرَب وهو حبل آخر للقربة‏:‏ فرَجَعَ بالعقد المجازيّ إلى لوازمه فتَخيّل معه عناجاً وكرباً، وأراد بجميعها تخييل الاستعارة‏.‏ فالعقد في الأصل مصدر سمّي به ما يعقد، وأطلق مجازاً على التزام من جانبين لشيء ومقابله، والموضع المشدود من الحبل يسمّى عُقدة‏.‏ وأطلق العقد أيضاً على الشيء المعقود إطلاقاً للمصدر على المفعول، فالعهود عقود، والتحالف من العقود، والتبايع والمؤاجرة ونحوهما من العقود، وهي المراد هنا‏.‏ ودخل في ذلك الأحكام التي شرعها الله لنا لأنّها كالعقود، إذ قد التزمها الداخل في الإسلام ضمناً، وفيها عهد الله الذي أخذه على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به‏.‏

ويقع العقد في اصطلاح الفقهاء على إنشاء تسليم أو تحمّل من جانبين؛ فقد يكون إنشاء تسليم كالبيع بثمن ناض؛ وقد يكون إنشاء تحمّل كالإجارة بأجر ناض، وكالسلم والقراض؛ وقد يكون إنشاء تحمّل من جانبين كالنكاح، إذ المهر لم يُعتبر عوضاً وإنَّما العوض هو تحمّل كلّ من الزوجين حقوقاً للآخر‏.‏ والعقود كلّها تحتاج إلى إيجاب وقبول‏.‏

والأمر بالإيفاء بالعقود يدلّ على وجوب ذلك، فتعيّن أنّ إيفاء العاقد بعقده حقّ عليه، فلذلك يقضي به عليه، لأنّ العقود شرعت لسدّ حاجات الأمّة فهي من قسم المناسب الحاجيّ، فيكون إتمامها حاجيّاً؛ لأنّ مكمّل كلّ قسم من أقسام المناسب الثلاثة يلحق بمكمَّلِه‏:‏ إنْ ضروريّاً، أو حاجياً، أو تحسيناً‏.‏

وفي الحديث المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً‏.‏

فالعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها مجرّد الصيغة تلزم بإتمام الصيغة أو ما يقوم مقامها، كالنكاح والبيع‏.‏ والمراد بما يقوم مقام الصيغة نحو الإشارة للأبكم، ونحو المعاطاة في البيوع‏.‏ والعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها الشروعَ فيها بعد الصيغة تلزم بالشروع، كالجُعل والقِراض‏.‏ وتمييزُ جزئيَّات أحد النوعين من جزئيات الآخر مجال للاجتهاد‏.‏

وقال القرافيّ في الفرق التاسع والمائتين‏:‏ إنّ أصل العقود من حيث هي اللزوم، وإنّ ما ثبت في الشرع أو عند المجتهدين أنّه مبنيّ على عدم اللزوم بالقول فإنَّما ذلك لأنّ في بعض العقود خفاء الحقّ الملتزم به فيُخشى تطرّق الغرر إليه، فوسَّع فيها على المتعاقدين فلا تلزمهم إلاّ بالشروع في العمل، لأنّ الشروع فرع التأمّل والتدبّر‏.‏ ولذلك اختلف المالكيَّة في عقود المغارسة والمزارعة والشركة هل تلحق بما مصلحته في لزومه بالقول، أو بما مصلحته في لزومه بالشروع‏.‏ وقد احتجّ في الفرق السادس والتسعين والمائة على أنّ أصل العقود أن تلزم بالقول بقوله تعالى‏:‏ أوفوا بالعقود‏}‏‏.‏ وذكر أنّ المالكيَّة احتجّوا بهذه الآية على إبطال حديث‏:‏ خيار المجلس؛ يعني بناء على أنّ هذه الآية قرّرت أصلاً من أصول الشريعة، وهو أنّ مقصد الشارع من العقود تمامها، وبذلك صار ما قرّرته مقدّماً عند مالك على خبر الآحاد، فلذلك لم يأخذ مالك بحديث ابن عمر «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا»‏.‏

واعلم أنّ العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم، كبيع الخيار، فضبطه الفقهاء بمدّة يحتاج إلى مثلها عادة في اختيار المبيع أو التشاور في شأنه‏.‏

ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب، والتعاقد على نصر المظلوم، وكلّ تعاقد وقع على غير أمر حرام، وقد أغنت أحكام الإسلام عن التعاقد في مثل هذا إذ أصبح المسلمون كالجسد الواحد، فبقي الأمر متعلّقاً بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ونحوه‏:‏ كحلف الفضول‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ أوفُوا بعقود الجاهلية ولا تُحدثوا عقداً في الإسلام ‏"‏ وبقي أيضاً ما تعاقد عليه المسلمون والمشركون كصلح الحُدَيْبِية بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش‏.‏ وقد رُوِي أنّ فرات بن حيّان العِجْلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية فقال‏:‏ «لعلّك تسأل عن حلف لُجَيْم وتَيْمَ، قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ لا يزيده الإسلام إلاّ شدّة»‏.‏ قلت‏:‏ وهذا من أعظم ما عرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من يعتدي عليه‏.‏ وقد كانت خزاعة من قبائل العرب التي لم تناو المسلمين في الجاهلية، كما تقدّم في قوله تعالى‏:‏

‏{‏الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏173‏)‏‏.‏

أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ‏}‏‏.‏

أشعر كلام بعض المفسّرين بالتَّوقّف في توجيه اتّصال قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏‏.‏ ففي «تلخيص الكواشي»، عن ابن عباس‏:‏ المراد بالعقود ما بَعد قوله‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ اه‏.‏ ويتعيَّن أن يكون مراد ابن عباس ما مبْدؤه قوله‏:‏ ‏{‏إلا ما يتلى عليكم‏}‏ الآيات‏.‏

وأمّا قول الزمخشري ‏{‏أحلَّت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ تفصيل لمجمل قوله‏:‏ ‏{‏أوفوا بالعُقود‏}‏ فتأويله أنّ مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة ‏{‏أحلّت لكم بهيمة الأنعام‏}‏؛ فإنّ إباحة الأنعام ليست عقداً يجب الوفاء به إلاّ باعتبار ما بعده من قوله‏:‏ «إلاّ ما يتلى عليكم»‏.‏ وباعتبار إبطال ما حرّم أهل الجاهلية باطلاً ممّا شمله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 103‏]‏ الآيات‏.‏

والقول عندي أنّ جملة ‏{‏أحلّت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ تمهيد لما سَيَرِد بعدها من المنهيات‏:‏ كقوله‏:‏ ‏{‏غيْر محِلّي الصّيد‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البِرّ والتقوى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2‏]‏ التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء بذكر بعض المباح امتناناً وتأنيساً للمسلمين، ليتلقّوا التكاليف بنفوس مطمئنّة؛ فالمعنى‏:‏ إنْ حرّمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها، وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها، ليعلموا أنّ الله ما يريد منهم إلاّ صلاحهم واستقامتهم‏.‏ فجملة ‏{‏أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنّها تصدير للكلام بعد عنوانه‏.‏

والبهيمة‏:‏ الحيوان البرّي من ذوي الأربع إنسِيّها ووحشيّها، عدا السباعَ، فتشمل بقر الوحش والظباء‏.‏ وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العامّ للخاصّ، وهي بيانية كقولهم‏:‏ ذبابُ النحل ومدينة بغداد‏.‏ فالمراد الأنعام خاصّة، لأنَّها غالب طعام الناس، وأمّا الوحش فداخل في قوله‏:‏ ‏{‏غير محلّي الصيد وأنتم حرم‏}‏، وهي هنا لدفع توهّم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة إطلاق اسم الأنعام عليها، فذكرت ‏(‏بهيمة‏)‏ لشمول أصناف الأنعام الأربعة‏:‏ الإبل، والبقر، والغنم، والمعز‏.‏

والإضافة البيانيَّة على معنى ‏(‏مِن‏)‏ التي للبيان، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 30‏]‏‏.‏

والاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلاّ ما يتلى عليكم‏}‏ من عموم الذوات والأحوال، وما يتلى هُو ما سيفصّل عند قوله‏:‏ ‏{‏حُرّمت عليكم الميتة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏غير مُحلِّي الصيد وأنتم حرم‏}‏، الواقع حالاً من ضمير الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏أحِلت لكم‏}‏، وهو حال مقيّد معنى الاستثناء من عموم أحوال وأمكنة، لأنّ الحُرم جمع حرام مثل رَدَاح على رُدُح‏.‏ وسيأتي تفصيل هذا الوصف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس‏}‏ في هذه السورة ‏(‏97‏)‏‏.‏

والحرام وصف لمن أحرم بحجّ أو عمرة، أي نواهما‏.‏ ووصف أيضاً لمن كان حالاً في الحرم، ومن إطلاق المحرم على الحالّ بالحرم قول الراعي‏:‏

قَتَلوا ابنَ عفّان الخليفةَ مُحْرِما *** أي حالاً بحرم المدينة‏.‏

والحَرَم‏:‏ هو المكان المحدود المحيط بمكة من جهاتها على حدود معروفة، وهو الذي لا يصاد صيده، ولا يُعضد شجره ولا تحلّ لقطته، وهو المعروف الذي حدّده إبراهيم عليه السلام ونصَب أنصاباً تعرف بها حدوده، فاحترمه العرب، وكان قُصّي قد جدّدها، واستمرّت إلى أن بَدَا لقريش أن ينزعوها، وذلك في مدّة إقامة النبي بمكة، واشتدّ ذلك على رسول الله، ثم إنّ قريشاً لم يلبثوا أن أعادوها كما كانت‏.‏ ولمَّا كان عامُ فتح مكة بعث النبي تميماً بن أسد الخُزاعي فجدّدها‏.‏ ثم أحياها وأوضحها عمر بن الخطاب في خلافته سنة سبع عشرة، فبعث لتجديد حدود الحرم أربعة من قريش كانوا يتبدّون في بوادي مكة، وهم‏:‏ مخرمة بن نوفل الزهري، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحوَيطب بن عبد العزّى العامري، وأزهر بن عوف الزهري، فأقاموا أنصاباً جعلت علامات على تخطيط الحرم على حسب الحدود التي حدّدها النبي وتبتدئ من الكعبة فتذهب للماشي إلى المدينة نحو أربعة أميال إلى التنعيم، والتنعيم ليس من الحرم، وتمتدّ في طريق الذاهب إلى العراق ثمانية أميال فتنتهي إلى موضع يقال له‏:‏ المقطع، وتذهب في طريق الطائف تسعة ‏(‏بتقديم المثناة‏)‏ أميال فتنتهي إلى الجعرانة، ومن جهة اليمن سبعة ‏(‏بتقديم السين‏)‏ فينتهي إلى أضاةِ لِبْن، ومن طريق جُدّة عشرة أميال فينتهي إلى آخر الحديبية، والحديبية داخلة في الحرم‏.‏ فهذا الحرم يحرم صيده، كما يحرم الصيد على المحرم بحجّ أو عمرة‏.‏

فقوله‏:‏ وأنتم حرم‏}‏ يجوز أن يراد به محرِمون، فيكون تحريماً للصيد على المحرم‏:‏ سواء كان في الحرم أم في غيره، ويكون تحريم صيد الحرم لغير المحرم ثابتاً بالسنّة، ويجوز أن يكون المراد به‏:‏ محرمون وحالّون في الحرم، ويكون من استعمال اللفظ في معنيين يجمعهما قدر مشترك بينهما وهو الحُرمة، فلا يكون من استعمال المشترك في معنييه إن قلنا بعدم صحّة استعماله فيهما، أو يكون من استعماله فيهما، على رأي من يصحّح ذلك، وهو الصحيح، كما قدّمناه في المقدّمة التاسعة‏.‏

وقد تفنّن الاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلاّ ما يتلى عليكم‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏غير مُحِلّي الصيد‏}‏، فجيء بالأول بأداة الاستثناء، وبالثاني بالحالين الدالّين على مغايرة الحالة المأذون فيها، والمعنى‏:‏ إلاّ الصيد في حالة كونكم مُحْرمين، أو في حالة الإحرام‏.‏ وإنَّما تعرّض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاصّ، فذكر هنا لأنّه تحريم عارض غير ذاتيّ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلّقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2‏]‏ الآية‏.‏

والصيد يجوز أن يكون هنا مصدراً على أصله، وأن يكون مطلقاً على اسم المفعول‏:‏ كالخَلْق على المخلوق، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصليّ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة، فيكون التقدير‏:‏ غير محلي إصابة لصيد‏.‏

والصيد بمعنى المصدر‏:‏ إمساك الحيوان الذي لا يألف، باليد أو بوسيلة ممسكة، أو جارحة‏:‏ كالشباك، والحبائل، والرماح، والسهام، والكلاب، والبُزاة؛ وبمعنى المفعول هو المَصيد‏.‏ وانتصب ‏{‏غيرَ‏}‏ على الحال من الضمير المجرور في قوله‏:‏ ‏{‏لكم‏}‏‏.‏ وجملة ‏{‏وأنتم حرم‏}‏ في موضع الحال من ضمير ‏(‏مُحلّي‏)‏، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم‏:‏ فالإباحة في حال عدم الإحرام، والتحريم له في حال الإحرام‏.‏

وجملة ‏{‏إنّ الله يحكم ما يريد‏}‏ تعليل لقوله‏:‏ ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم، لأنّكم عاقدتم على عدم العصيان، وعلى السمع والطاعة لله، والله يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم‏.‏ والمعنى أنّ الله أعلم بصالحكم منكم‏.‏

وذكر ابن عطية‏:‏ أنّ النقّاش حكى‏:‏ أنّ أصحاب الكِندي قالوا له‏:‏ «أيّها الحكيم اعمل لنا مِثْلَ هذا القرآن، قال‏:‏ نعم أعْمَل لكم مثلَ بعضه، فاحتجبَ عنهم أيَّاماً ثمّ خرج فقال‏:‏ والله ما أقدر عليه‏.‏ ولا يطيق هذا أحد، إنِّي فتحت المصحف فخرجتْ سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونَهَى عن النكث وحلّل تحليلاً عامّاً ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبرَ عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلاّ في أجْلاد» جَمع جِلد أي أسفار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ الهدى وَلاَ القلائد ولا ءَامِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ورضوانا‏}‏‏.‏

اعتراض بين الجمل التي قبله وبين جملة ‏{‏وإذا حللتم فاصطادوا‏.‏ ولذلك أعيد الخطاب بالنداء بقوله‏:‏ يا أيها الذين آمنوا‏}‏‏.‏ وتوجيه الخطاب إلى الذين آمنوا مع أنّهم لا يظنّ بهم إحلال المحرّمات، يدلّ على أنّ المقصود النهي عن الاعتداء على الشعائر الإلهية التي يأتيها المشركون كما يأتيها المسلمون‏.‏

ومعنى ‏{‏لا تحلّوا شعائر الله‏}‏ لا تحلّوا المحرّم منها بين الناس، بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏لا تحلّوا‏}‏، فالتقدير‏:‏ لا تحلّوا مُحرّم شعائرِ الله، كما قال تعالى‏:‏ في إحلال الشهر الحرام بعمل النسيء ‏{‏فيحلّوا ما حرّم الله‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 37‏]‏؛ وإلاّ فمِن شعائر الله ما هو حلال كالحَلق، ومنها ما هو واجب‏.‏ والمحرّمات معلومة‏.‏

والشعائر‏:‏ جمع شعيرة‏.‏ وقد تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ الصفا والمروة من شعائر الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 158‏]‏‏.‏ وقد كانت الشعائر كلّها معروفة لديهم، فلذلك عدل عن عدّها هنا‏.‏ وهي أمكنة، وأزمنة، وذوات؛ فالصفا، والمروة، والمشعر الحرام، من الأمكنة‏.‏ وقد مضت في سورة البقرة‏.‏ والشهر الحرام من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد من الشعائر الذوات‏.‏ فعطف الشهر الحرام والهدي وما بعدهما من شعائر الله عطف الجزئيّ على كلّيّة للاهتمام به، والمراد به جنس الشهر الحرام، لأنَّه في سياق النفي، أي الأشهر الحرم الأربعة التي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏منها أربعة حُرُم‏.‏‏.‏‏.‏ فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 36‏]‏‏.‏ فالتعريف تعريف الجنس، وهو كالنكرة يستوي فيه المفرد والجمع‏.‏ وقال ابن عطيّة‏:‏ الأظهر أنّه أريد رجب خاصّة ليشتدّ أمر تحريمه إذ كانت العرب غير مجمعة عليه، فإنَّما خُصّ بالنهي عن إحلاله إذ لم يكن جميع العرب يحرّمونه، فلذلك كان يعرف برَجب مضر؛ فلم تكن ربيعة ولا إياد ولا أنمار يحرّمونه‏.‏ وكان يقال له‏:‏ شهر بني أميّة أيضاً، لأنّ قريشاً حرّموه قبل جميع العرب فتبعتهم مضر كلّها لقول عوف بن الأحوص‏:‏

وشهرِ بني أميّة والهَدايا *** إذا حبست مُضرّجُها الدقاء

وعلى هذا يكون التعريف للعهد فلا يعمّ‏.‏ والأظهر أنّ التعريف للجنس، كما قدّمناه‏.‏

والهدي‏:‏ هو ما يهدى إلى مناسك الحجّ لينحر في المنحر من مِنى، أو بالمروة، من الأنعام‏.‏

والقلائد‏:‏ جمع قِلادة وهي ظفائر من صوف أو وَبَر، يربط فيها نعلان أو قطعة من لِحَاءِ الشجر، أي قِشره، وتوضع في أعناق الهدايا مشبَّهة بقلائد النساء، والمقصود منها أن يُعرف الهدي فلا يُتَعرّض له بغارة أو نحوها‏.‏ وقد كان بعض العرب إذا تأخّر في مكة حتّى خرجت الأشهر الحُرُم، وأراد أن يرجع إلى وطنه، وضع في عنقه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يُتَعرّضُ له بسوء‏.‏

ووجه عطف القلائد على الهدي المبالغة في احترامه بحيث يحرم الاعتداء على قلادته بله ذاته، وهذا كقول أبي بكر‏:‏ والله لو منعوني عِقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه‏.‏

على أنّ القلائد ممّا ينتفع به، إذ كان أهل مكة يتّخذون من القلائد نعالاً لفقرائهم، كما كانوا ينتفعون بجلال البدن، وهي شُقق من ثياب توضع على كفل البدنة؛ فيتّخذون منها قُمصاً لهم وأزُراً، فلذلك كان النهي عن إحلالها كالنهي عن إحلال الهدي لأنّ في ذلك تعطيل مصالح سكان الحرم الذين استجاب الله فيهم دعوة إبراهيم إذ قال‏:‏ ‏{‏فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 37‏]‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 97‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا آمّين البيت الحرام‏}‏ عطف على ‏{‏شعائر الله‏}‏‏:‏ أي ولا تحلّوا قاصدي البيت الحرام وهم الحجّاج، فالمراد قاصدوه لحجّه، لأنّ البيت لا يقصد إلاّ للحجّ، ولذلك لم يقل‏:‏ ولا آمِّين مكة، لأنّ من قصد مكة قد يقصدها لتجر ونحوه، لأنّ من جملة حُرمَة البيت حرمة قاصده‏.‏ ولا شك أنّ المراد آمِّين البيت من المشركين؛ لأنّ آمِّين البيت من المؤمنين محرّم أذاهم في حالة قصد البيت وغيرها من الأحوال‏.‏ وقد روي ما يؤيّد هذا في أسباب النزول‏:‏ وهو أن خيلاً من بكر بن وائل وردوا المدينة وقائدهم شريح بن ضُبَيْعَة الملقّب بالحُطَم ‏(‏بوزن زُفر‏)‏، والمكنّى أيضاً بابننِ هند‏.‏ نسبة إلى أمّه هند بنت حسّان بن عَمْرو بننِ مَرْثَد، وكان الحُطَم هذا من بكر بن وائل، من نزلاء اليمامة، فترك خيلَه خارج المدينة ودخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «إلام تدعو» فقال رسول الله‏:‏ ‏"‏ ‏{‏إلى شهاد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وإقاممِ الصلاة وإيتاء الزكاة ‏"‏ فقال‏:‏ حَسَن ما تدعو إليه وسأنظُرُ ولعلّي أن أسْلِم وأرى في أمرك غِلظة ولي مِن وَرائي مَنْ لا أقطَع أمراً دونهم وخرج فمرّ بسَرْح المدينة فاستاق إبلاً كثيرة ولحقه المسلمون لمَّا أُعلموا به فلم يلحقوه، وقال في ذلك رجزاً، وقيل‏:‏ الرجزُ لأحد أصحابه، وهو رَشِيد بن رَمِيض العَنَزي وهو‏:‏

هذا أوَانُ الشَّدّ فاشْتَدّي زِيَمْ *** قد لَفَّها الليلُ بسَوّاق حُطَم

ليسَ براعِي إبِللٍ ولا غَنَم *** ولا بَجَزّار على ظَهْر وَضَم

بَاتوا نِيَاماً وابنُ هِنْد لم ينمْ *** باتَ يُقَاسِيها غُلام كالزّلَم

خَدَلَّجُ الساقَيْننِ خَفَّاقُ القَدَم *** ثم أقبل الحُطم في العام القابل وهو عام القَضية فسمعوا تلبيَة حُجَّاج اليمامة فقالوا‏:‏ هذا الحُطَم وأصحابه ومعهم هَدْي هو ممَّا نهبه من إبل المسلمين، فاستأذنوا رسول الله في نَهبهم، فنزلت الآية في النهي عن ذلك‏.‏ فهي حكم عامّ نزل بعد تلك القضية، وكان النهي عن التعرّض لبُدْن الحُطم مشمولاً لما اشتملت عليه هذه الآية‏.‏

والبيت الحرام هو الكعبة‏.‏ وسيأتي بيان وصفه بهذا الوصف عند قوله‏:‏ ‏{‏جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس‏}‏

‏[‏المائدة‏:‏ 97‏]‏ في هذه السورة‏.‏ وجملة ‏{‏يبتغون فضلاً من ربّهم‏}‏ صفة ل ‏{‏آمِّين‏}‏ من قصدهم ابتغاء فضل الله ورضوانه وهم الذين جاءوا لأجل الحجّ إيماء إلى سبب حرمة آمِّي البيت الحرام‏.‏

وقد نهى الله عن التعرّض للحجيج بسوء لأنّ الحجّ ابتغاء فضل الله ورضوانه، وقد كان أهل الجاهلية يقصدون منه ذلك، قال النابغة‏:‏

حيّاك ربّي فإنَّا لا يَحِلّ لنا *** لَهْوُ النساءِ وإنّ الدّين قد عَزَما

مشمّرين على خُوص مزمَّمة *** نرجو الإله ونرجو البِرّ والطُعَما

ويتنزّهون عن فحش الكلام، قال العجّاج‏:‏

وَرَبِّ أسْراب حَجيج كُظَّم *** عن اللَّغَا ورَفَث التكلّم

ويظهرون الزهد والخشوع، قال النابغة‏:‏

بمُصطحبات من لَصَاففٍ وثَبْرة *** بَزُرْنَ إلالاً سَيْرُهُنّ التَّدَافُعُ

عَلَيْهِنّ شُعْث عامدون لربّهم *** فهُنّ كأطراف الحَنِيّ خَوَاشِعُ

ووجه النَّهي عن التعرّض للحجيج بسوء وإن كانوا مشركين‏:‏ أَنّ الحالة التي قصدوا فيها الحجّ وتلبّسوا عندها بالإحرام، حالة خَيْر وقرب من الإيمان بالله وتذكّر نعمه، فيجب أن يعانوا على الاستكثار منها لأنّ الخير يتسرّب إلى النفس رويداً، كما أن الشرّ يتسرّب إليها كذلك، ولذلك سيجيء عقب هذه الآية قوله‏:‏ ‏{‏وتَعاونوا على البِرّ والتقوى‏}‏‏.‏

والفضلُ‏:‏ خير الدنيا، وهو صلاح العمل‏.‏ والرضوان‏:‏ رضي الله تعالى عنهم، وهو ثواب الآخرة، وقيل‏:‏ أراد بالفضل الربح في التجارة، وهذا بعيد أن يكون هو سبب النهي إلاّ إذا أريد تمكينهم من إبلاغ السلع إلى مكَّة‏.‏

‏{‏وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا‏}‏‏.‏

تصريح بمفهوم قوله‏:‏ ‏{‏غير محلّي الصيد وأنتم حرم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 1‏]‏ لقصد تأكيد الإباحة‏.‏ فالأمر فيه للإباحة، وليس هذا من الأمر الوارد بعد النهي، لأنّ تلك المسألة مفروضة في النهي عن شيء نهياً مستمرّاً، ثم الأمر به كذلك، وما هنا‏:‏ إنَّما هو نهي موقّت وأمر في بقيّة الأوقات، فلا يجري هنا ما ذكر في أصول الفقه من الخلاف في مدلول صيغة الأمر الوارد بعد حظر‏:‏ أهو الإباحة أو الندب أو الوجوب‏.‏ فالصيد مباح بالإباحة الأصليّة، وقد حُرّم في حالة الإحرام، فإذا انتهت تلك الحالة رجع إلى إباحته‏.‏

و ‏{‏اصطادوا‏}‏ صيغة افتعال، استعملت في الكلام لغير معنى المطاوعة التي هي مدلول صيغة الافتعال في الأصل، فاصطاد في كلامهم مبالغة في صاد‏.‏ ونظيره‏:‏ اضطرّه إلى كذا‏.‏ وقد نُزّل ‏{‏اصطادوا‏}‏ منزلة فعل لازم فلم يذكر له مفعول‏.‏

‏{‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ‏}‏‏.‏

عطف على قوله‏:‏ ‏{‏لا تحِلّوا شعائر الله‏}‏ لِزيادة تقرير مضمونه، أي لا تحلّوا شعائر الله ولو مع عدوّكم إذا لم يبدأوكم بحرب‏.‏

ومعنى ‏{‏يجر منّكم‏}‏ يكسبنّكم، يقال‏:‏ جرَمه يجرمه، مثل ضَرب‏.‏ وأصله كسب، من جرم النخلة إذا جذّ عراجينها، فلمّا كان الجرم لأجل الكسب شاع إطلاق جرَم بمعنى كسب، قالوا‏:‏ جَرم فلان لنفسه كذا، أي كسب‏.‏

وعدّي إلى مفعول ثان وهو ‏{‏أن تعتدوا‏}‏، والتقدير‏:‏ يكسبكم الشنآن الاعتداء‏.‏ وأمّا تعديته بعلى في قوله‏:‏ ‏{‏ولا يجرمنّكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا‏}‏

‏[‏المائدة‏:‏ 8‏]‏ فلتضمينه معنى يحملنّكم‏.‏

والشنآن بفتح الشين المعجمة وفتح النون في الأكثر، وقد تسكّن النون إمَّا أصالة وإمَّا تخفيفاً هو البغض‏.‏ وقيل‏:‏ شدّة البغض، وهو المناسب، لعطفه على البغضاء في قول الأحوص‏:‏

أنمِي على البغضاء والشنآن *** وهو من المصادر الدالّة على الاضطراب والتقلّب، لأنّ الشنآن فيه اضطراب النفس، فهو مثل الغَليان والنزَوان‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏شَنَئان‏}‏ بفتح النون‏.‏ وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر بسكون النون‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنّ ساكن النون وصف مثل غضبان، أي عدوّ، فالمعنى‏:‏ لا يجرمنّكم عدوّ قوم، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف‏.‏ وإضافة شنآن إذا كان مصدراً من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي بُغضكم قوماً، بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏أنْ صدّوكم‏}‏، لأنّ المبغض في الغالب هو المعتدى عليه‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أن صدّوكم‏}‏ بفتح همزة ‏(‏أنْ‏)‏‏.‏ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب‏:‏ بكسر الهمزة على أنَّها ‏(‏إن‏)‏ الشرطية، فجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبل الشرط‏.‏

والمسجدُ الحرام اسم جعل علَماً بالغلبة على المكان المحيط بالكعبة المحصور ذي الأبواب، وهو اسم إسلاميّ لم يكن يُدعى بذلك في الجاهليّة، لأنّ المسجد مكان السجود ولم يَكن لأهل الجاهليّة سجود عند الكعبة، وقد تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فولّ وجهك شطر المسجد الحرام‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏144‏)‏، وسيأتي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحان الذي أسرى بعبْده ليلاً من المسجد الحرام‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏‏.‏

‏{‏وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ آلْعِقَابِ‏}‏‏.‏

تعليل للنهي الذي في قوله‏:‏ ‏{‏ولا يَجْرَمنَّكم شَنئان قوم‏}‏‏.‏ وكان مقتضى الظاهر أن تكون الجملة مفصولة، ولكنَّها عُطفت‏:‏ ترجيحاً لما تضمَّنته من التشريع على ما اقتضته من التعليل، يعني‏:‏ أنّ واجبكم أن تتعاونوا بينكم على فعل البرّ والتقوى، وإذا كان هذا واجبهم فيما بينهم، كان الشأن أن يُعينوا على البرّ والتقوى، لأنّ التعاون عليها يكسب محبّة تحصيلها، فيصير تحصيلها رغبة لهم، فلا جرم أن يعينوا عليها كلّ ساع إليها، ولو كان عدوّاً، والحجّ بِرّ فأعينوا عليه وعلى التقوى، فهم وإن كانوا كفّاراً يُعاونُون على ما هو برّ‏:‏ لأنّ البرّ يَهدي للتقوى، فلعلّ تكرّر فعله يقرّبهم من الإسلام‏.‏ ولمَّا كان الاعتداء على العدوّ إنَّما يكون بتعاونهم عليه نبّهوا على أنّ التعاون لا ينبغي أن يكون صدّاً عن المسجد الحرام، وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً؛ فالضمير والمفاعلة في ‏{‏تعاونوا‏}‏ للمسلمين، أي ليعن بعضكم بعضاً على البرّ والتقوى‏.‏ وفائدة التعاون تيسير العمل، وتوفير المصالح، وإظهار الاتّحاد والتناصر، حتّى يصبح ذلك خلقاً للأمّة‏.‏ وهذا قبل نزول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 28‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تعاونوا على الإثم والعدوان‏}‏ تأكيد لمضمون ‏{‏وتعاونوا على البرّ والتقوى‏}‏ لأنّ الأمر بالشيء، وإن كان يتضمّن النهي عن ضدّه، فالاهتمام بحكم الضدّ يقتضي النهي عنه بخصوصه‏.‏ والمقصود أنّه يجب أن يصدّ بعضكم بعضاً عن ظلم قوم لكُم نحوَهم شنآن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واتّقوا الله‏}‏ الآية تذييل‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏شديد العقاب‏}‏ تعريض بالتهديد‏.‏